المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة(غدا تغرد الطيور)- خالد الشمري(الرياض)



بني تميم
25-01-02, 16:12
قصة قصيرة
غداً تغرّد الطيور
خالد الشمري - الأحساء



جئت إلى هذه الدنيا لم أجد والدي بجانبي فقد تخّلى عن أمي.. وأخذ شقيقي وشقيقتي معه بعد أن تزوج من أمرأة أخرى من إحدى البلدان العربية المجاورة.. لم تجد أمي المسكينة عوناً إلا الله سبحانه ثم بعض القلوب الكبيرة من الجيران الذين التفوا حولها وساعدوها على ما يقيم أودها وهي اليتيمة التي لا أهل لها طرق بابها رجل مستقيم يخاف الله طالباً يدها للزواج ولم تجد بُداً من الموافقة لتستطيع العيش بعد أن أعياها الفقر والخجل من مساعدة جيرانها.. ومضت بها الأيام إلى أن علم والدي بزواجها بعد سنوات وكان نازحاً عن قريتنا فأتى إليها وانتزعني منها قسراً في ليلة عاصفة ممطرة لا أنساها وكأني شجرة صغيرة انتزعتها الرياح بلا رحمة..كنت صغيراِ لا أدرك من أمور الدنيا شيئاً.. لكن قسوة زوجة أبي جعلتني أتجاوز عمري وأدرك أنني رحلت من الحضن الدافئ إلى جحيم أمراة لا تخاف الله في طفولتي البائسة فهي لا تكلّ من ضربي أو تأنيبي بسبب أو بلا سبب.. ما كنت أدرك لمَ كل ذلك يحدث ولكني أصبحت أشعر بالخوف.. الخوف الذي يسيطر علي فيشل لساني ويجعلني أقبع في ركن من الدار لا أكاد أتحرك إلا إذا دعتني تلك المرأة لتكيل لي العذاب الذي لا ينتهي.. لم يكن أبي يدري عن ذلك فقد كان في عمله جل وقته وحينما يعود متعباً يتناول طعامه لينينام قليلا ثم يخرج إلى السوق لشراء ما يلزم للبيت وفي المساء يذهب إلى قضاء الوقت مع أصدقائه وهكذا لم نكن نراه إلا لماماً..مرت سنوات من العذاب والقسوة والجوع علي وعلى شقيقي فكم من ليلة أوينا إلى النوم والجوع ينهش أمعاءنا وهذه المرأة تحرم علينا وجبة العشاء، كما تحرم علينا وجبة الصباح وكنا نكتفي بالوجبة التي نتناولها ظهرا مع أبي فقط. بدأت أتعذب وأعاني بعد أن عرفت الحقيقة المرة من شقيقي الكبير بأن أمي قد طلقها أبي ولا أمل لنا في العودة اليها.. وأصبح وجه أمي يلوح لي في الليالي باهتاً وأنا أحاول استعادة الصورة لا مرأة كانت تدفئني بالحب والحنان والأمان.. وأحاول استعادة بيتنا الطيني الصغير الذي كان يوشك على الوقوع ومع هذا فقد كان يلوح في أحلامي قصراً أحلم بالعودة إليه.. حلمي يرافقني في نومي وواقعي المرير يوقظني على وجه تلك المرأة القاسية التي تصفعني قسوتها وتحطم قلبي الصغير.أنجبت زوجة أبي أطفالاً فالتفوا حول أبي فأصبح نسيانه لنا أكبر من أية محاولة منا للتقرب إليه.. وأصبحت المرأة ترى في وجودنا عبئاً ثقيلاً فأزدادت قسوتها والخوف منها يشل شجاعتنا والإهمال منه كان يغلق في وجوهنا الأمل أن يدرك أن لنا عليه حقوقاً.. سارت بنا الأيام ونحن لا ندري كيف تمر ونستحلب الصبر لنستطيع مواصلة تلك الحياة المريرة.. اخوتي من أبي يعطفون علينا لما يشاهدونه من تجني والدتهم فتحاول أن تبعدهم عنا بكل وسيلة ممكنة وتحول بيننا وبينهم، كنت بطبعي مسالماً رقيق القلب شديد التمسك بإيماني بالله سبحانه، أشعر أن الله معي وأنه لا بد أن ينقذني يوماً من الأيام من براثن زوجة أبي.. وكان العزاء الوحيد هو إيماني وحبي لدراستي وإصراري على مواصلة علمي مهما قاسيت، كنت أذهب إلى المدرسة بلا وجبة الصباح وبلا نقود.. صديقي الوحيد في مدرستي كان يشعر بما أعاني، يقاسمني كل صباح طعامه كل هذا وأنا أرى اخوتي من أبي وما يتمتعون به من نقود وطعام.. لم أكن أستطيع أن أفهم لماذا تعاملني زوجة أبي بتلك القسوة؟ رغم محاولتي رضاها.. شقيقي الكبير لم يستطع أن يتحمل مثلي فهرب ذات يوم من البيت ليعمل وهو الذي لم يحصل على الشهادة الابتدائية.. أما شقيقتي فقد سعت زوجة أبي لتزويجها وهي صغيرة السن للتخلص منها لأول وافد طرق بابنا وإجبارها على القبول.. لم يبق أمامها إلا أنا لتحيل كل طاقاتها الماكرة لتعذبني والقصاص مني لأنها لم تستطع إبعادي ولأني كنت صابراً على كل ما تفعل بي.. كان يعزيني طيف أمي الذي يلح علي يذكرني بكل الفضائل وكنت أتنسم أخبارها من القادمين من قريتنا وأشعر بقلبي يعتصر بين جوانحي وأنا أتذكر بيت الطين الصغير الدافئ وأمي وحنانها ووجهها الذي يلوح لي دائماً باسماً.. وهكذا مرت الأيام حلقات مفزعة أكبر من عمري ومن كل ما سمعت أو رأيت ممن حولي ورغم هذا كان نجاحي في كل سنة بدرجة جيدة يمنحني القدرة على مواصلة دربي لأتسلح بعلم يقيدني ويجعلني أخرج من دوامة هذا البيت، لم أعد أرى شقيقي الكبير إلا نادراً وأصبحت ألمح عليه بوادر الضياع والشرود ولكني لم أستطع أن أفعل من أجله شيئاً، كانت الظروف التي مرت بنا قد جعلت له قلباً قاسياً وأذناً صماء فلم يعد يصغي لقولي أو يهتم بمشاعري أو أموري.. حتى علمت أن رفاق السوء التفوا حوله وقاده طريق الضياع الى السجن.تكاثفت أحزاني وبدأت أشعر أن الدينا تقبض على قلبي بيد من حديد.. كانت القضبان التي تحول بيني وبين شقيقي تبدو لي في الليالي المظلمة تلتف حول عنقي فأصحو من نومي فزعاً.حينما خرج أخي من السجن انتقل إلى مدينة بعيدة أخرى وعمل فيها وأصبح حاله أفضل بعد أن علمه السجن، أخيراً ها هي بوادر النور تلوح في أفق حياتي ها أنا أكمل دراستي وألتحق بالسلك العسكري وهناك وجدت نفسي الضائعة مني في زحام بيتنا الذي لا وجود لي فيه ولعل البعد عن مواطن القسوة فيه قد زادت من إصراري واجتهادي للبحث عن مستقبل أفضل ومن مثابرتي بدأ رؤسائي في العمل يلتفتون لي بأعجاب وتقدير ومع الأيام بعد أن تخرجت حصلت على نتيجة كفاحي الطويل وبدأت أجني ثماره فأصبح لي عمل جيد وبيت وزوجة وقبل أن يكون لي كل ذلك كان أول مافعلته أن ذهبت إلى أمي التي لم تعرفني في بادئ الأمر فقد مرت خسمة وعشرون عاما بعد أن فارقتها وأنا طفل صغير.. بكيت وأنا أعانقها فلم يبق منها إلا طيف حزين شاحب قضت عليها الهموم.. عادت معي إلى بيتي واجتمع أفراد أسرتنا البائسة بعد السنين الطويلة التي أبعدت كل واحد منا إلى واد.. استردت أمي عافيتها وعادت دماء الحياة الى وجنتيها ورأيت على وجهها النبيل ابتسامة الرضا بعد أن كانت دموعها لا تنضب في أول الأيام التي جمعت شملنا.. عادت الراحة تفترش صدري بعد خمسة وعشرين عاماً من العذاب قضيتها بعيداً عن الحضن الدافئ والأمان وتحت سيطرة أمرأة لا تخاف الله.