المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أول سيدة تقوم بدور((عشماوي)) في مصر-الرياض



غريب الدار
01-01-02, 16:45
جريدة الرياض عدد الثلاثاء 17 شوال 1422هـ

أول سيدة تقوم بدور "عشماوي" في مصر:
بكيت يوماً كاملاً عندما حضرت تنفيذ حكم بالإعدام لأول مرة

لم تترك حواء مجالا إلا واقتحمته وأثبتت فيه وجودها. فقد كانت المرأة في أزمنة سابقة محرومة من شغل وظائف كثيرة بزعم أنها لا تتفق مع كونها كائنا ضعيفا، رقيقا تسبقه دائماً دموعه عند رؤية أي مشهد دام أو موقف مرعب أو حزين أما الآن فتغيرت تلك المفاهيم تماماً وأصبحت المرأة رائدة فضاء وسائقة تاكسي. حتى المهن التي تتطلب جرأة وإقدام وهما صفتان قد لا تتوافران حتى في بعض الرجال اقتحمتها المرأة فعملت مهندسة تنفيذ تصعد على السقالات الى ارتفاعات شاهقة وسط العمال والفعلة، وعملت جراحة تبتر الأعضاء المريضة بحسم ،بل وجزارة تمسك بيدها الساطور.. وأخيراً رأيناها ضابطة شرطة وأين..؟ في غرفة تنفيذ أحكام الإعدام!!ورغم أن أفلام السينما قدمت بعض فنانات مثل سماح أنور ونبيلة عبيد في دور "حضرة الضابط" إلا أن الحوار على أرض الواقع مع الرائد مادلين موريس له طعم ومذاق مختلفان.. فعلامات الجدية والصرامة واضحة على وجهها، بدون مكياج أو مساحيق، ونظرتها تحمل بريق الذكاء والفطنة التي يتحلى بهما رجل الشرطة عفوا.. كل العاملين في مجال الشرطة رجالا ونساء."وعن بداية مشوار الرائد مادلين موريس مع هذا العمل الذي قد يصعب على الرجال دخوله تقول: تخرجت في كلية الخدمة الاجتماعية عام 1985، وكنت شديدة الإعجاب بعمل الشرطة لما يحتاجه من فطنة وذكاء ومهارات خاصة ،لذلك قررت الالتحاق بأكاديمية الشرطة بعد تخرجي مباشرة، واجتزت الاختبارات المطلوبة والمؤهلة للالتحاق بالأكاديمية، وتم قبولي فيها حتى تخرجت عام 1986.وتسلمت عملي بعد تخرجي مباشرة بالإدارة العامة لمباحث الآداب واستمر عملي بها لمدة عامين ونصف العام انتقلت بعدها الى شرطة ميناء القاهرة الجوي لمدة عشر سنوات ثم عملت في سجن الاستئناف في أغسطس من عام 1997.وقد أثبت جدارتي خلال عملي بالشرطة وحصلت على العديد من شهادات التقدير.وحول طبيعة دورها داخل السجن تقول: بصفتي السيدة الوحيدة في سجن الاستئناف ألقى هذا الوضع على عاتقي الكثير من المهام فأنا مسؤولة عن الزيارات الخاصة بالمتهمين في التفتيش الذاتي للسيدات حتى لا تدخل أي ممنوعات داخل السجن، إلى جانب مهمتي في الإشراف على تنفيذ أحكام الإعدام الخاصة بالسيدات فقط وأتولى رعايتهن ومسؤوليتهن من لحظة دخولهن السجن حتى لحظة تنفيذ حكم الإعدام.وعن شعورها أثناء حضور أول تنفيذ حكم بالإعدام، تقول: "لأن لدي حب استطلاع قررت أن أشهد حالة تنفيذ إعدام" وتقدمت بطلب لمأمور السجن ووافق، وحضرت بالفعل إعدام صيدلي تخلص من صديقه، وكان من الطبيعي أن أصاب بالرهبة خلال وجودي في غرفة الإعدام وذلك لبشاعة المنظر حتى أني بعدها ظللت أبكي يوماً كاملاً، ولكن وجدت التشجيع من رؤسائي في العمل بعد ذلك لأن هؤلاء المتهمات كان لابد من توقيع العقاب الرادع عليهن لما ارتكبنه من جرائم وقتل أرواح بريئة لا ذنب لها وان القصاص أمر عادل. وبعد اطلاعي على ملفات هؤلاء المتهمات بدأت أقوى على حضور هذه الأحكام. والمعروف انه لا يصل المتهم الى "غرفة الإعدام" إلا بعد يقين هيئة المحكمة الكامل من عدم براءته وتكون نية جريمة القتل التي ارتكبها مبيتة وأداة الجريمة تم ضبطها واعترافات الشهود واضحة وجلية، والقانون يعطي المحكوم عليه بالإعدام فرصة الدفاع عن نفسه حتى آخر لحظة أمام عدة محاكم مختلفة، فكيف بعد كل ذلك يكون بريئا. وبدأ الوضع يبدو لي طبيعياً ولم أشعر بالخوف في المرات التالية عندما حضرت تنفيذ أحكام الإعدام ل 50رجلاً وامرأة".وحول ما إذا كانت اجراءات تنفيذ حكم الإعدام تختلف في المرأة عن الرجل، تقول: لا يوجد اختلاف في تنفيذ حكم الإعدام في المرأة عن الرجل ،ولكن تختلف الحراسة ومصاحبة المرأة في غرفة الإعدام عن الرجل، فالمرأة تقوم بتفتيشها امرأة مثلها وتتولى رعايتها امرأة وتصحبها حارسات لأنه من الممكن أن تطلب المتهمة أي طلب يصعب عليها أن تطلبه من الرجل في لجنة الإعدام فتجدني أنا في تنفيذ متطلباتها قبل تنفيذ الحكم عليها. كما لا نجد فرقاً بين مشاعر الرجل والمرأة لحظة التنفيذ، فجميعهم يستغفرون ربهم حتى آخر لحظة، وأحياناً تبكي المرأة نادمة على جريمتها، أما الرجل فهو أكثر تماسكا".وعن الإجراءات التي يتم اتخاذها مسبقاً قبل تنفيذ حكم الإعدام تقول: في البداية نأخذ وزن وطول السجين حتى لا يحدث خطأ، وجميع الأدوات المستخدمة في الإعدام من حبل وذراع وطبلية وغير ذلك تكون معدة قبل التنفيذ بيوم، لكن في بعض الأحيان قد يمرض المحكوم عليه بالإعدام فجأة، هنا من الجائز أن يؤجل التنفيذ حتى يشفى، أما إذا كان مصابا بمرض مزمن يصعب الشفاء منه بتقرير الأطباء الشرعيين وطبيب السجن فيتم تنفيذ الحكم.حول ما إذا كانت طريقة معاملتك للقاتل المحكوم عليه بالإعدام تختلف عن أي مسجون آخر، تقول: من الطبيعي أن تختلف معاملة القاتل والمحكوم عليه بالإعدام عن المسجون الذي دخل السجن بسبب حادث سيارة أو بسبب شيك بمبلغ بسيط فأعامل الثاني برأفة شديدة وأقدم لهم العون والمساعدات الإنسانية بالقدر المسموح به في اللوائح والقوانين ومن خلال هذه المساعدات اطلق علي المتهمون في السجن لقب "شعاع النور" أو الضوء داخل السجن. أما القتلى والمجرمون فيجب أن أكون حازمة معهم طوال الوقت.وعن أغرب واقعة مرت عليها قبل تنفيذ الحكم، تقول.. "كان هناك حكم بالإعدام على متهمة طلبت مني أن ترى حبيبها لآخر مرة وتقوم بمصافحته قبل تنفيذ الحكم ولكنه قام بسبها ورفض أن يصافحها قبل أن تعدم.ومن الحالات الغريبة التي مرت بي حالة سيدة أصيبت بالعمى قبل تنفيذ الحكم بسبب الخوف. وقد شعرت بقشعريرة في بدني من مشهد عينيها التي ابيضت فجأة لكنني لم أشعر بأي عاطفة تجاهها لأنها قتلت طفلة صغيرة عمرها أربع سنوات لسرقة "حلقها الذهبي" الذي لا يزيد ثمنه على عشرين جنيها، والغريب انها كانت أما لتسعة أطفال.ومعظم المحكوم عليهم بالإعدام يؤلفون قصصا كثيرة وهمية حول جريمتهم ويصرون دائماً على براءتهم حتى موعد التنفيذ، فأذكر مثلا "متى" قاتل الفنانة "وداد حمدي" الذي تم تنفيذ الحكم فيه، فقد كان يصر حتى آخر لحظة على أنه بريء، وكان يصف قتل الفنانة بأنها جريمة بشعة ارتكبها انسان لا ضمير له وكان يبكي دائماً على فنانته المحبوبة، لكن عندما وقف أمام حبل المشنقة طلب المغفرة وقال إنه يراها واقفة أمامه.واذكر رجلا آخر أصر على براءته حتى بعد أن وقف أمام حبل المشنقة، لكنه اعترف بقتل شخصين آخرين لا يعرف عنهما أحد شيئا. ولكن أشد اللحظات تأثيرا على الإطلاق هي لحظة التنفيذ عندما يستغفر المتهم ربه وينطق بالشهادتين.وعن أكثر المواقف الإنسانية التي واجهتها خلال عملها تقول: "هناك حالة لا أستطيع نسيانها كانت لفتاتين احداهما 14سنة والأخرى 12سنة كانتا تأتيان لزيارة والدهما المتهم بقتل أمهما ورفيقها وحكم على والدهما بالإعدام. فقد فقدتا الأب والأم وتم ايداعهما في مؤسسة خاصة لرعاية الأيتام".وحول ما إذا كانت طبيعة عملها تؤثر على علاقتها الاجتماعية وحياتها الشخصية، تجيب: "أنا لا افعل شيئا يعذبني عليه ضميري، لست أنا التي حاكمت المتهم وأمرت بإعدامه، بل على العكس هناك جرائم بشعة يتمنى الإنسان ان يرى المجرم معلقا بسببها على حبل المشنقة. ولكن بالفعل أعاني من نظرات الخوف الذي أراه في عيون من حولي نظرا لاعتقاداتهم عن قسوة مهنة ضابط الشرطة التي تتميز بالحزم والقوة. هذا بجانب عملي في سجن للرجال، وحضوري لتنفيذ احكام الإعدام في المتهمين. ولكن على العكس تماما فأنا أولا وأخيرا امرأة لها مشاعرها وشخصيتها كأي امرأة في مجتمعنا الشرقي. وأحاول ان افهم أولادي وأقاربي واصدقائي انها طبيعة عملي وهي لا تخضع الا للضمير الإنساني في معاملة المسجونين والمتمثلة في تنفيذ القانون. كما إنني اجتهد دائماً في عدم الربط بين حياتي الشخصية وبين عملي الوظيفي. فالعمل ينتهي بمجرد انتهاء مواعيده اليومية. وأمارس حياتي كزوجة وأم بشكل طبيعي في الاهتمام بشؤون منزلي وأسرتي.(ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة)
انتهى
ودمتم
والله يحفظكم