المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهوية الحائلية - الجزء 2 - المأثور الثقافي: لماذا نحن غير الناس؟



الجماعة
27-12-10, 01:12
للإطلاع على الجزء الأول من هذا الموضوع:


الهوية الحائلية - الجزء الأول - مقدمة (http://www.vb.fadhaa.com/showthread.php?310057-%C7%E1%E5%E6%ED%F8%C9-%C7%E1%CD%C7%C6%E1%ED%C9-%C7%E1%CC%D2%C1-%C7%E1%C3%E6%E1-%E3%DE%CF%E3%C9)



المأثور الثقافي هو مجموع الطبائع والعادات والقوانين الاجتماعية والواجبات المعترف بها من الفرد تجاه مجتمعه. أيضا هو يتضمن السمات التي تجعل من مجتمع معين يتميز عن بقية المجتمعات.
وفي مجتمعنا الحائلي لدينا مأثور ثقافي عريق في العمر، ضخم في الكم، وغني وثري في النوع. وسأحاول باختصار وإيجاز إلقاء الضوء على أهم عناصره.

لو سألنا شخصا غير حائلي، عمّا يعرف عن حائل، فإنه على الأرجح سيقول أولا: بعد حيي. وهي عبارة مسجّلة ثقافيا للحائليين تحمل معانٍ عديدة ومتشعبة، وتشير إلى أفكار وصور ذهنية كثيرة، ولكن بحثها المفصل سيكون في الجزء المخصص لـ اللغة. لذلك سأنتقل منها إلى الفكرة الثانية السائدة عن الحائليين وهي: الكرم.

من الخطأ – كما أعتقد – أن نعتبر أنفسنا في طبقة أعلى من الآخرين لأننا كرماء. فالكرم الذي نتميز به، هو نتيجة عن خيار جماعي اجتماعي اتخذه الأجداد القدماء منذ حاتم الطائي فما بعد، لأجل التميّز وبناء استقلالية شخصية للمجتمع. فحاتم الطائي يقول: يقولون لي أهلكت مالك فاقتصد * وما كنت لولا ما تقولون سيدا. إذن نحن كرماء لأننا نطلب السيادة ونطلب السمعة الحسنة أي أننا نتلقى مقابلا عن كرمنا، وهذا المقابل هو ما يدفعنا جيلا بعد جيل إلى التمسّك بهذه الصفة.
ولكن ذلك لا يمنعنا من الاعتزاز بصفتنا هذه، لعدة أسباب..

أولا: أن اشتهارنا بالكرم، وإن كان ليس نابعا عن مثاليتنا، هو أفضل مما لو كنا نشتهر بصفات أخرى. فنحن نعلم أن المجتمعات المجاورة تشيع عنها صفات تعتبر مرذولة: كالبخل الشديد، أو الحرص المتطرف على المال وإن كان تافها ضئيلا، أو عدم الرحمة، أو محبة فعل الأذى للآخرين (ما يعبّر عنها محليا بالنذالة)، أو الافتخار بالتعدي على الآخرين أو على النظام العام، أو التديّن الشكلي المبالغ به، أو غيرها من صفات. لذلك نحن نقول شكرا للأصول العظيمة التي أنجبتنا وشكرا لثقافتنا الجمعية التي جعلت الكرم – هذه الصفة النبيلة – هي ما يشيع عنا وهي السمة التي يعرفنا الناس بها.

ثانيا: أننا نتناقل هذه الصفة بشكل مميز. فالكبير لا يقول للصغير: افتخر لأن أجدادك كرماء، ولأن مدينتك أنجبت أشهر كريم في التاريخ الإنساني (حاتم الطائي)، بل يقول له: عليك أن تكون كريما لأن أجدادك كرماء. وهناك فارق شاسع بين الفكرتين. فالمسألة بالنسبة لنا ليست مجرد استعادة للماضي وافتخار به من أجل الترفّع على الآخرين، بل هي امتداد للماضي أو تمديد له. لذلك قلما نجد حائليا يقول (قولا) أنه من مدينة حاتم الطائي، بل نجده دائما يفعل (فعلا) يثبت أنه من مدينة حاتم.

ثالثا: أن هذه الصفة لم نخلعها نحن على أنفسنا، بل اكتسبناها باعتراف الآخرين أولا. فحاتم الطائي والكرماء النبلاء الحائليين من بعده، لم يقولوا عن أنفسهم أنهم كرماء، بل تركوا هذه المهمة للآخرين من الأجانب، ممن جربوا كرمهم ونبلهم، فأشاعوا عنهم هذه الصفة.

---

ومن الكرم ننتقل للصفة الثانية وهي الإتجاه للنظام والتنظيم العام.
فالحائليون هم أول مجتمع في الجزيرة العربية (عدا اليمن) أسس نظاما مدنيا ذو رئيس مختار لصفاته، من أجل الحكم العام وتسيير شؤون المجتمع. ففي حين كانت مكة المكرمة، زمن ظهور الرسالة النبوية، دون رئيس يحكمها (بغض النظر عن أقاويل المؤرخين الإسلاميين حول رفض المكيين للحكم)، وفي حين كانت لا تزال بدائية يجتمع كبارها عند الأزمات فقط، كانت حائل تحت رئاسة معترف بها، ترسل الوفود وتقابل الملوك وتحاكي الأوضاع السياسية المتقلبة بما يخدم المصلحة الحائلية، وتلك الرئاسة تمثلت في حاتم الطائي سيد الحائليين المختار آنذاك، والذي انتخبوه واختاروه رئيسا عليهم لصفاته الفضلى وقدراته وثقافته وتمكنه، ثم اختاروا من بعده ابنه عدي الذي حاز صفات والده، وكانوا يدفعون الضريبة للحكومة عن طيب خاطر، لعلمهم بأن هذه الضريبة تعود بالنفع على المجتمع فليس حاتم من يكنز الأموال ولا عديّ من بعده من يسعى للثراء على حساب جماعته ومواطنيه.

ومن أجل ذلك فإن الإمارتين الواقعتين إلى شرق وغرب حائل (المناذرة والغساسنة) كان للحائليين دور هام في مسيرتهما التاريخية، فالحيرة تولاها الطائيون بعد حكم المناذرة بتفويض من الفرس الذين أسسوا هذه الإمارة، كما أن الغساسنة هم أصلا حائليون قدموا من حائل قبل أن ينزحوا إلى الشمال ويتحالفوا مع روما التي أسست لهم إمارة شمال غرب حائل على حدود روما الشرقية آنذاك.

وفي مقابل ذلك لا نجد أي إمارة ذات قيمة تاريخية في أنحاء الجزيرة العربية، فمملكة كندة التي ضُخّمت، لم تكن سوى زعامة قبلية منشقة عن الحكم الإمبراطوري العريق في اليمن. وهي على أي حال تتصل بالحائليين أكثر من سواهم نظرا لأنها إمارة قحطانية جنوبية وليست عدنانية. وأما الأشراف في الحجاز فقد كان حكمهم أوتوقراطيا يعتمد على المسألة الدينية لا على الرضا الشعبي كما أن حكمهم كان طبقيا واسع الفجوة فيما بينه وبين الشعب الذي يحكمه.

ثم وفي التاريخ الحاضر، نجد أن الحائليين أول من أنشئوا حكما مدنيا زمن الفوضى التي عمّت منطقة الشرق الأوسط قبيل ظهور الدولة العثمانية. فالمهاجرون (الضياغم) من الجنوب أنشئوا تحالفا سياسيا مدنيا وعسكريا فور وصولهم مع (زوبع) الشمريين من أجل إحكام القبضة على الأرض الحائلية.
فالحائليون ليسوا كغيرهم ممن يرضون بالعيش المشتت والفوضى العارمة من حين لآخر، بل هم ينشئون حكما سلطويا قويا حال الاستقرار في الأرض التي يستوطنوها ونجد ذلك جليا في إمارة آل جراح الطائية في الشام والإمارات الطائية في سيناء ومصر، فضلا عن الإمارات التي قامت في العراق وتجلّت باختيار رئيس عراقي من أصول حائلية في أول نظام ديمقراطي حر في العراق (غازي الياور)، لأن الحائلي قديم وقدير في معرفته بالنظام المدني والرئاسة، ومن أجل ذلك يحوز الحائلي دائما، على التوافق من الأطراف المختلفة والمتناوئة، ويرضون به رئيسا عليهم.

وفي حائل تحديدا نجد أن حكم آل علي الذي لم يكن لينشأ لولا توافق الحائليين الحضر عليه، واتفاقهم على قيامه، قد نشأ منذ زمن مبكر قياسا بالإمارات التي قامت فيما بعد بالجزيرة العربية، فـ آل علي يعيد بعض المؤرخين زمن قيام حكمهم الحضري إلى نحو خمسة قرون. ومجرد قيام حكمهم الوراثي الموحّد يشير إلى أن المجتمع الحائلي مجتمع مدني بطبعه يريد دائما حكومة تنظّم أموره وتحمي أمنه وتحافظ على سلطانه.

وعندما رأى أكثرية الحائليين أن من الأفضل دعم الأمير المؤسس عبدالله الرشيد في حركته المعارضة، كان في ذلك دلالة على تحفّز الحائليين واندفاعهم للتطوّر والتغيير والتحسين في البنية السياسية، من أجل ضمان مستقبل أفضل للمجتمع وهو ما تحقق على يد الأمير المؤسس وأبناء أسرته من بعده.

وفي الحكم الرشيد للأمراء الرشيد، كانت روح الفرد الحائلي تظهر في شخص كل أمير من أمرائنا المتعاقبين من 1834 إلى 1921، وكان الولاء وقوة الإنتماء للحكومة المختارة على رأس الأولويات عند المجتمع الحائلي، ورغم الإشكاليات والعقبات والظواهر التي تصاحب أي حكم أو سلطة إلا أن الحائليين ظلوا أوفياء لحكومات الرشيد، فكانوا يعزلون أحدهم ويعينوا بديلا له من الأسرة حفظا للنظام العام ومنعا للفوضى. بينما نجد في المقابل عند مجتمعات أخرى، تحفزا عند الشعب من أجل إسقاط أي حكومة تقوم، ومن أجل التعدّي على أي أسرة تحكم لأن النزعة غير الحضرية مسيطرة عند تلك المجتمعات، فيرى الفرد منهم أنه أحق من الآخرين بالحكم نظرا للمكاسب المتحصلّة عنه، دون أدنى اهتمام بالمصلحة العامة والجمعية للمجتمع، وهو الاهتمام الذي يبدو واضحا وجليا عند الحائلي حتى أنه يفضّل خسارة مصلحته الشخصية على خسارة مصلحة المجتمع. لذلك فإن الفرع من أسرة العديلي الذي عارض حكم الرشيد لأسباب سياسية، قام بمحاولة واحدة شبيهة بمحاولة الأمير عبدالله ضد حكم آل علي وعندما فشلت هذه المحاولة لم يحاولوا الاستعانة بالأجنبي أو إشاعة الفوضى بل هاجر هذا الفرع بهدوء وسكون حتى عادت المياه لمجاريها مع أمرائهم وعادوا لمدينتهم ومجتمعهم. وكذلك الأمر في وصول الأمير عبدالله الرشيد نفسه للحكم فهو جاء "معتمدا على مؤهلاته الشخصية وعلى تقدير مواطنيه له" كما يقول أوجست والن الباحث الفرنسي الذي زار حائل عام 1852. ونرى أن الأمير عبدالله رغم علاقته الوثيقة مع الدولة العثمانية أثناء نفيه في العراق (كان يسكن في قصر الضيافة التركي هناك) لم يفكر مطلقا بالاستعانة بقوات أجنبية من أجل الوصول للحكم وظل منفيا عشر سنوات أو أكثر، ولم يعد إلى حائل إلا بعد أن تأكد أن أكثرية الحائليين معه. وهم الذين أوصلوه للحكم ومنحوه له واعترفوا به رئيسا عليهم.

---

الصفة الثالثة.. المسالمة في الطبائع والعادات

وهذه الصفة نستشعرها تاريخيا من خلال حادثة مهمة في التاريخ الحائلي، فعند وفاة الأمير المؤسس عبدالله الرشيد كان الحائليون أمام خيارين: الأول هو الأمير عبيد، نائب الأمير عبدالله، والقوي المتمرّس في الحكم والعسكرية، والثاني هو الأمير طلال العبدالله الشاب المدني ذو النظرة الإصلاحية والعمرانية.
وهنا كان الحائليون أمام خيار الحرب أو خيار السلام. وكانوا باختيار الأمير عبيد سيميلون للحرب لأن الأمير عبيد ذو طموحات توسعية، وحياته قائمة على الغزو وقتال الأعداء وإخضاع غير الخاضعين. فيما كانوا باختيار الأمير طلال يختارون السلام والعمران وازدهار الاقتصاد. ومعلوم عند الحائليين أن أجدادهم في تلك الفترة الحاسمة اختاروا الأمير طلال، ودعموه حتى أوصلوه للحكم. وكان لهم ما أرادوا حيث كان الأمير طلال متوجها بشكل تام للتطوير الداخلي ودفع عجلة الاقتصاد والبناء، أو بالمفاهيم الحديثة: راعيا لدولة الرفاه، لا لدولة التوسّع العسكري.
فقد كان يهمه أن يعيش الحائلي في أعزّ صورة وأحسن معيشة، ولا يهمه أن تمتد سلطته على أنحاء الجزيرة العربية، وكان دائما وسيط سلام بين المتحاربين الأجانب مثل أمر توسطه بين أهل عنيزة وبين السعوديين عندما حاول الأخيرون احتلال أراضي عنيزة عام 1860 وكانت وساطة الأمير طلال بين الطرفين نازعة لفتيل الحرب والدمار رغم أن الحائليين لا علاقة لهم بالطرفين ولا يهمهم من يخسر ومن ينتصر في تلك الحرب فأولئك أجناب يحتربون فيما بينهم، لكن الذات المسالمة للأمير طلال أبت إلا التدخل حقنا لدماء الإنسان.

وبذلك يكون واضحا أن الفرد الحائلي وبدعمه لأمير مسالم كالأمير طلال ضد أمير عسكري كالأمير عبيد، ميّال للسلام والطمأنينة والهدوء والرفاهية الاجتماعية.

---

الصفة الرابعة: البُعد عن الماديات

إنني أجزم بأن كل حائلي وإن كان يرغب بأن يكون ثريا غنيا ذو مال وثروة، إلا أن المال بحد ذاته ليس هدفا. إن الحائلي يريد المال من أجل أن يصرفه لا من أجل أن يجمعه. فتجد الواحد من مجتمعنا يجمع ذاك المبلغ ثم يسافر به ليرفّه عن نفسه، لا من أجل أن يستثمره فيعود عليه بالمال الوفير. وتجد الحائلي لا يملك إلا ريالات قليلة ومع ذلك يشتري تلك السلعة الغالية من أجل أن يكون سعيدا أو من أجل أن يُسعد من حوله. فموظف بسيط لا يمانع من صرف ربع أو ثلث مرتبه الشهري في ليلة واحدة إن كان في ذلك (وناسة) ومتعة له أو لأسرته أو لأصدقائه. وتجد الحائلي يقترض من البنك قرضا كبيرا من أجل أن يكون سعيدا في حياته فيشتري سيارة يرغب بها أو منزلا فوق حاجته لكنه يجعله سعيدا. فالسعادة الذاتية وإسعاد الآخرين مقدّم عند الحائلي على حب المال وحب جمعه وتحقيق الجاه من خلاله.

ونجد عند الحائليين قولا يتكرر عند الكثيرين منهم فيقول الواحد منهم: حنا ما حنا تجار. أو لا نعرف في التجارة أو لسنا أهل تجارة، والحقيقة أن السبب في ذلك لا يعود إلى افتقاد الذهنية الاقتصادية بل يعود إلى أن الحائلي يستحيل عليه أن يجمع بين التجارة التي تتطلب حرصا ماليا وبين السعادة التي لا تتحقق في معظم الأحيان إلا بصرف المال وليس جمعه وكنزه وخزنه.

---

الصفة الخامسة: التقارب والتكافل وحب التجمّع

وهذه الصفة ذات منشأ اجتماعي وليس ديني، فالحائلي يساعد رفيقه وقريبه ليس طمعا بالأجر الأخروي، بل لأنه يرفض رؤية الآخر في حاجة ويتركه دون مساعدة. ثم إننا نجد الحائلي يفضل (الجمعات) والاجتماعات واللقاء مع الأصحاب والأحباب. ونظام الشبّة العريق من دلائل ذلك، فالرجل الحائلي بدون شبّة يصير كالمخنوق. بل وحتى النساء صارت لهن شبات واجتماعات في الآونة الأخيرة. وهذه صفة أصيلة في نفسية الفرد الحائلي ذكورا وإناثا كبارا وصغارا.
وأعرف أناسا من كبار السن أعضاء في خمس شبات أو أكثر في اليوم، وهذا يجعلهم سعداء وأصحاء، ولا تهمهم جراء ذلك أي خسائر مادية أو وقتية فما دامت السعادة متوفرة فكل المتبقي هيّن.
وهذه الصفة الرائعة نجدها ممتدة عند الجيل الشاب، فمعظم الشباب هم أعضاء في استراحات، وتجد أحدهم يأخذ مكافأة من الكلية تقل عن ألف ريال ويدفعها كاملة عن طيب خاطر واستمتاع من أجل نقدة (قطّة) الاستراحة أو الحوطة. وتجد الموظف ذو أربعة آلاف في الشهر ويخصص منها جزءا ليس بالهين لمثل ذلك. وهذه كلها تشير إلى رغبة الفرد الحائلي في الانتماء لمجموعة والالتقاء بالصحب والأصدقاء مهما كان المقابل.


-----
أتوقف هنا، ولي عودة لاستكمال باقي المحاور.

شكرا لكل المتابعين.

الجماعة، حائل 27 ديسمبر 2010

شايب الشريه-----
27-12-10, 01:16
عساك على القوه وموفق

احمد الاسلمي
27-12-10, 12:55
موفق اخي الجماعه
معلومات وتحليل ابداعي
ننتظر المزيد