المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زواج العروس في ( عروس الشمال ) .. ومعلومات أخرى عن مدينة الكرم وعبق التاريخ !



محمد الكنعان
13-07-02, 11:29
عـرفها المؤرخون القـدماء بــ ( مفـتاح الصحراء ) ، كونها المعــبر الرئيس للمتجهين شمالا ً أو جنوبا ً في شبة الجزيرة العربية ، بـينما يلـقبها المتأخرين بــ ( عـروس الشمال ) ، لأنها أشبه بالعــروس الغانـية بين مــدن الإقــليم الشمالي من المملكة العــربية السعــودية .
وبين التعــريف القديم واللقب الجديد يتجلى اسم ( حائل ) كمعـلومة حقيـقية لمدينة عانـقت ذرى المجد على مسرح التاريخ بمشاهد حـضارية فـصولها لم تنـتهي بعـد مادامت دورة الحياة مستمرة ، مثلما أنها لم تـبدأ بأواخر العـصر الجاهلي يوم كان حاتم الطائي يوقــد نيران ضيافته ليهدي عابري السبيل إلى موائد كــرمه ، إنما آثارها تعود بنا إلى قرون سحيقة تكاد تكون الأبرز والأوفر على مستوى المملكة .

أقف اليوم عبر هذه الملتقيات على ناصية تلك المشاهـد لأكتب عن ( حائل ) المدينة السعودية الواقعة في منطقة جبل شمر ـــ جبلي أجا وسلمى ـــ على الحدود الجنوبية لصحراء النفود شمال المملكة مع الميل قليلا للغــرب جهة المدينة المنورة ، ولكنها كــتابة من خلال ملامــسة عــبـق الـماضي الحائلي وبــقايا الملامح الجميلة لتراث الأجداد في هذه المدينة التي قالت عنها النبيلة الإنجليزية ( الرحالة ) الليدي آن بلنت : حـائل سحـر الشرق ! أما الـمتغـيرات الحضارية فيها بـفعــل عجلة الـمدنية فعيـون الجميع تشاهـدها عبـر وسائل الإعلام المخـتلفة .

النـبـش في ذاكرة الـزمن عن منطـقة ( حائل ) بتاريخها المتجــذر في أعـماق الأزل ، يعـني تــقــليب أوراق العـصور الـقـديمة حـتى يومنا الحاضر ، بـدء ً من بـقايا الكتابات والرسومات الثـمودية والنبـطية والعلاقــة الممـتـدة بالحـضارات الآشـورية والبابلية ، ومرورا ً برحلة طـيء بن قحـطان من اليمن السعيـد بعد حادثة السيل العـرم إلى أرض الجبلين والاستيطان في أكناف جبلي ( أجا وسلمى ) متبوعة ً بظهور أسطورة الكرم العربي بشخص حاتم بن عبد الله الطائي كرمز لهـذه المنطـقة ، ثم دخول الطائيـون في الإســلام وإسهامهم الكبير في الفتح الإسلامي ، وتتابع مسيرتها على مــر العــصور الإسلامية ، ونهاية ً إلى العـهد الزاهر تحت راية التوحيد بانضمام ( حــائل ) في عـقـد اللـؤلــؤ السعـودي الذي نـظم حباته الملك المؤسس عـبد العــزيز
آل سعود رحمه الله ، حيث يتبعها ثلاث محافظات وأكثر من ( 250 ) ما بين قرية وهجرة .

حائل التي اكـتسبت اسمها من طبـيعتها ، كونها بنـيت على سهل قـليل الانحــدار على الجانب الغـربي لوادي (الإديـرع ) بين جبلي أجا وسلمى الـذي تسـيل مياهه ( فتحول ) بين سكان الجبلين ، هـذه المدينة جـمعـت بين عراقة في أغوار الأصالة ومـدنية محلقة في آفاق التحضر ، فإن كانت قـد نالت حظها من رصيد التنمية السعودية خلال المائة عام الماضية التي غيرت كثيرا ً من ملامحها القديمة ، بالشواهد الحضارية الملموسة في كل أشكال الحياة اليومية ومكـتسبات تلك التـنمية سـواء ً في واقع المديـنة أو رفاهية المجتمع ، كحـداثة الشوارع والميادين وتـنامي النهضة العـمرانية ووجود جميع الأجهـزة الحكومية والمرافـق العامة مع تغـير أنماط معيشية كثيرة في ممارسات السكان وسلوكياتهم الحياتية .

فإن ذلك لم يغـتال تلك الأصـالة المكـنونة في الإنسان الحائلي ، الـذي لا زال يعــمل عـلى ضبط إيـقاعها مع تسارع وتيـرة الحـياة الـمدنية على مخـتلف المستـويات وتـحـديدا ً الاجـتماعـية منها والـتراثـية ، فـالطـابع الاجتماعي لم يـزل حـيا ً في نـسق التعاملات والتفريعات الاجتماعية ، خاصة ً بتـمسك أهـالي حائل بعـادات اجتماعية قـديمة ذات رونق خاص ، أبرزها عـادة ( الــشــّـبة ) نسبة ً لـشب النار لإعـداد متطلبات الضيافـة والتدفئة ، ( والشّبة ) أشبه ما يكون بالاجتماع اليومي عـقـب صلاة العـشاء لـتداول أخبار المنطقة وتجاذب أطراف الحديث في مواضيع عامة .
في نفس السياق حافظ الحائليون على عاداتهم بالزواج كمؤسسة تقليدية اجتماعية والتقاليد المتوارثة عنها حتى صارت من الخصوصيات الثـقـافـية للمجـتمع الحائلي ، وهو ما سوف نعـرضه في هذا المقـال .

ولكن قبل الحديث عن عادات وتقاليد الزواج في حائل قديما ً وحديثا ، لا بد من التعريج على طبيعة المنازل القديمة في حائل ولو من قبيل الإشارة ، فـرغم أن وضعـيتها تبدو متشابهة بالنسبة لمنطقة شمال السعودية ونجد عموما ً ! إلا أن الوضع في حائل قــد يخـتلف نوعا ً ما ، فعـندما تلج أحد منازل الطين هناك يستـقـبلك مضاف الرجال المعروف في حائل بـــ ( القهوة ) ونطق المسمى حسب اللهجة الحائلية يتمايز عن غيرها ! يعــلوا هــذا المـضاف تماما ً ما يسمى بــ ( روشـن الرجال ) ، وهـو مجلس الرجال الصيفي حيـث النـسائم الباردة العـليلة ، في الجانب الأخر من القسم العلوي للبيت الحائلي يوجد ما يعرف بــ ( القصر ) وهي غرفة مخصصة لمخـدع العروس وزوجها ! ، كما أن المسميات الحائلية لباقي أقسام المنزل الأخرى معـبـرة عــن طبـيعة نــشاطها ، فــدار ( المســّخــن ) هي الغــرفة التي تجتـمع بها العائلة شتاء ً ، كما أن المـطبخ يسمى
( الماقــد ) ! وكـذلك يطــلق عـلى مخـزن الأرزاق مسمى ( دار المحــل ) ، بالإضـافــة إلى ( الحــير ) وهــو مزرعة صغيــرة في الجزء الخلفي من المنزل تحوي أشجار النخيل والحمضيات وأحيانا ً الرمان ، والمنازل في حائل تكاد تـتشابه بوجهٍ عام من حيث التصميم وتوزيع المرافق ، خصوصا ً وسـط المنزل الـذي يتـشكل على هيئة مربع الأضلاع بقبابه وغرف النوم المتجاورة .

اليوم لم يعــد أهالي حائل يسكنون المنازل القديمة بعــد النهضة العمرانية بالطراز الحديث ، كما لم يعــودوا يقيـمون أفـراح زوجاتهم في تلك البيوتات الطينية ، التي رغـم ذلك لم تزل تسكن وجـدانهم بدليل استخـدام كثير من الأهالي للمسميات القـديمة في منازلهم الحديثة .
الزواج في حائل يتشابه إلى حد ِ ما مع ما هــو سائد في منطقة الشمال والقـصيم ونجـد عموما ً ، من ناحية الطريقة المتبعة في البحث واخـتيار الزوجة ، ولكن ما هـو مختلف عـند الحائليين هي تلك العادات والتقاليد المرتبطة بفعاليات مراسم الزواج من فترة الخطوبة إلى مابعـد الزواج .

فبعـد أن تعــلن الخطبة يتقدم الشاب ( طالب القرب ) لأهل العروس بمبلغ من المال يسمى ( الكسوة ) ، هذا المبلغ يأتي أقــل قدرا ً من مبلغ المهر الذي يُدفع عادة ً عـند توقيع عـقد النكاح ــ يسميه أهل حائل الملكة ــ
الذي يسبق الزواج ببضع أيام .
قبل يوم الزواج بليلتين تقــريبا ً .. يقوم أهـــل العــريس ( الزوج ) بشراء ملابـس متـنوعة وأرزاق وأواني منزلية يتم إرسالها إلى أهل العـروس ( الزوجة ) ، ويسمى هذا بــ ( الــدفاع ) ، في اليوم الـذي يسـبق ليلة الزواج يتعـاقــد أهل العـروس مع إحدى السيدات لتقـوم على خدمة العـروسين خلال أيام الزفاف يـقال لهذه السيـدة ( الحــجــّـارة ) ، ومهمتها تـقـوم على الخـدمة وتجهـيز العـروس ومن ثم زفــها إلى زوجها في تلك الليلة المباركة ، كما يُقدم الذهب والحلي قبل الزواج بليلة أو في صباح ليلة الزفاف .

في نهار يـوم الزواج يـدب النــشاط في بيت أهـل العـروس وجيرانهم بالاستعداد للمشاركة الجماعـية ماليا ً وعينيا ً، أما أهل العريس فإنهم يبدأون في استقبال المدعوين من أقارب ومعارف وأصدقاء( رجال ونساء) بعـد صلاة المغـرب مباشرة ً للاجتماع ، ثم التحرك بشكل جماعي بعـد صلاة العشاء إلى مقر حفـل الزواج ، يتقدمهم العريس ووالده وعمومته ، هذا الجمع يعرف بــ ( السفارة ) .

يمكن القـول أن المراسم الفعـلية للزواج تـنطلق مع ( السفارة ) ، التي تـذهب في جـولة ضيافة في مــنازل جيران أهـل العـروس لاحتساء القهوة والتطيب بالبخور حتى تنتهي في مكان الحفل ، حيث يبدأ العريس في استـقبال المهنئين ثم الجلوس على موائد العشاء العامرة بالخراف وأحيانا ً الجمال مع أبرز الأكلات الشعبية المميزة في حائل مثل ( المعـذبة ) وهي نوع من أنواع الهـريس ، و( الكبـيـبا ) وهي عبارة عـن ورق عنب محشي رزا ً تختلف عن أكلة أهل الشام بالنكهة والشكل القريب للنجمة الخماسية .

بعـدها ينـتـقل العريس إلى الطابق العـلوي حـيث غـرفة زفاف العـروس التي تتميز عن غـيرها بالمرايا التي تكتسي الجدران والمراتب والأغطية التي تملأ أرضية الغرفة ، هذه الغرفة يقال لها ( القصر ) أو( الحجرة )
وأحيانا ً ( الروشن ) على افتراض أن كل ما هو علوي يسمى روشن .

يمكث العـريس في منزل أهل العـروس قرابة الأسبوع أو أكثر ، حيث يقـوم في صباح اليوم الأولى بتـقديـم الذهب والحلي عـندما يأتي والديه وأخوته للاطمئنان عليه ، كما يقــدم مبلغا ً من المال أو هــدية رمزية لأم العروس يقال لها ( الفتاشه ) ! حتى الإفــطار الذي يتناوله العريس له خصوصية فيسمى ( فكوك ) ! أيضا يقيم والد العروس وليمة غداء في أول يوم يحضره أهل العريس والجيران وقرابة العروس .

بنهاية الأسبوع تـقام مناسبة احتـفالية للعــروس في منزل أهـل العـريس يقال لها ( الرحالة ) أيّ ترحـــيل الزوجة من منزل أبيها إلى بيت زوجها ، وهذه الليلة أشبه بليلة الزواج ، فالعـروس تسير من بداية مدخل الشارع متـقدمة ً المدعوات فيما أحـد الرجال يقـوم بالتهليل والترحيب بها وبمن معها مع الدعاء لغيـرها بمثل نصيـبها حتى دخولهن منزل الزوج ، بهذا يسدل الستار على تلك المراسم الجميلة .

في الوقت الحالي حافظ الحائليون على بعض العادات والتقاليد الرئيسة في الزواج القديم ، مثل ( الكسوة )
و( الرحالة ) و( الذهب والحلي ) ، فـقـد تخـلوا عن عادات أخرى مثل ( الحجارة ) التي استبــدلت بعـاملة التجـميل ( الكــوافـيرا ) والفـنـدق بــدل منزل أهــل العروس ، والبـيوت الطـيـنية بقــصور الأفــراح ! كما استحدثوا عادات جديدة مثل ( الطلاعه ) ، وهي مناسبة احتــفالية أيضا ً بالعــروس في منزل أهلها بعـــد عودتها من شهر العسل .

ما أوردناه كان لمحة من عــبق الماضي في الحياة الحائلية ، أما في الإطـار العام لمدينة حائل فإن بصمات ذلك الماضي الجميل تبــدو في مواقــع شتى من حائل المدينة أو خارجها على رقعة المنطقة ككل ، فهـناك سوق
( برزان ) القـــديم باسمه ومكانه والجديد بمتاجره وأروقـته التي تهمس في أذن الذاكرة عن ســوق تاريخي كانت الجمال تمخـر عبابه وطلاب الرزق يرتادونه ، مثلما تهمس عن قلعة ( أعيرف ) التاريخية والعامة ينطقونها عيرف ، وهي قلعة قديمة على جبل صغير في وسط مدينة حائل ، يعود تاريخ بنائها إلى العصر الجاهلي .

وإذا كان الشيء بالشيء يـذكر فلا أقـل من تسليط بعــض الأضواء على أبرز الآثار والمعالم التي تكـتـنـزها منطقة حائل ، فإذا ما توجهنا شمال غرب حائل فهناك مدينة صغـيرة تـدعى ( جُبـّـة ) تتمتع بنـقوش ثمودية على صخورها مثل صخور جبل ( أبو سلمان ) المطل على جــبّــة ، أو صخور جبل ( غوطا ) ، حيث تشاهد رسومات حيوانات وأدوات قـتال وعـربة وغـيرها ! كـذلك هناك كتابات ثمودية في صخور منطـقة ( ياطب ) وهو جبل يقع على مقربة ( 30 كم ) شرق حائل ! أو ما هو موجود في كهف جبل ( جانين ) .

أما قـرية توارن التي تـقع على وادي في السفح الشمالي الغـربي من جبل أجا على بعــد ( 55 كم ) شمال غرب مركز المدينة ! فـتكتسب شهرتها من كونها موطن حاتم الطائي ، بدليل وجود حـصن في مـدخــــل القرية لا زالت أطلاله باقية ، فضلا ً عن مقبرة صغيرة تضم قبرين ، يقال أن أحدهما هو لرفات حاتم الطائي ، أيضا ً يوجــــد آثار في ( الحائط ) الذي كان اسمه القــديم ( فـدك ) تدل على أن اسم فــدك ورد من بـين أسماء المدن التي احتلها الملك البابلي نـيونبذ أحد حكام القرن السادس قبل الميلاد ، أضف إلى ذلك الآثار الموجودة في
( سميراء ) ، أشهرها طريق الحج القـديم ( درب زبيدة ) ! أو ( فيد ) وما بها من مخـلفات قصر ( خراش ) أو ( بديع ) المعـروف حاليا ً بــ ( الحويط ) الـذي يجمع بين الكتابات الثمودية والنبطـية وأيضا ً ما يشير إلى العصور الإسلامية .

بــقي أن نـخـتم حـديـثـنا بالإشارة إلى اللهـجة الحائليـة ذات النكهة الطائيـة كما يـقـول أستاذنا عبد الرحمن السويـداء في كتابٍ له بهذا الخصوص! والإشارة التي نعـنيها خاصية تميزهذه المدينة بين المدن والمناطق السعــودية ويعرف أهــلها بها ! وهي اللهجة الحائلـية التي تتمتع بكثير ٍ من المـفردات الجميلة في المعـنى الخفي وراء ستار اللفـظ والموسيقـية عند النطـق بها ! من قبـيل ( بعـد حيي ) وتعـني أنك بعــد كل حي ،
أو ( عزوتي ) من العـزوة أي المنعة والعـشيرة ، أو ( شــنــوح ) الاستــفهامية بمعـنى لماذا ؟ وغــير هــذا من مفردات متداولة تتجاوز التخاطب اليومي إلى تسمية الأماكن والأشياء ، فنجد أسماء لمتنزهات ومواقع طبيعية مثل مشار وهو الأشهر .. نقبين .. صحى وصحي .. ضلضل .. الرصف .. لامة .. حـّية .. والقائمة تطول لدرجة الإغراء بزيارة حائل والتمتع بطبيعتها والتعرف على معالمها وآثارها على مائدة ضيافة أهلها المتوارثة من جدهم الأكبر حاتم الطائي ، في ربوع بلاد الجبلين !

.................................................................................................... .......أبو عبد الملك

haili
13-07-02, 20:32
أبو عبدالملك
شكرا لهذا العطر الذي نثرته بيننا من عبق التاريخ الحائلي المجيد

فيصل
14-07-02, 14:10
اخ محمد من اشد المعجبين باطروحاتك ومواضيعك المنوعه تسلم والله وكثر الله من امثالك يا رائع


واقبل تحياتي وتقديري

كـــايدهم
14-07-02, 14:47
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الف شكر اخوي
( محمد الكنعان )

على هذا الموضوع وبصراحة موضوع شيق للقراءه

والله يعطيك الف عافية

أمل
14-07-02, 20:10
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكراً استاذ محمد على هذه المعلومات عن مدينتنا الحبيبه والموضوع فعلاً رائع وشيق كثر الله من أمثالك




:41: :41: :41:

متفائل؟؟؟
16-07-02, 06:33
شكرا....... ابو عبد الملك على ماكتبته يداك


وجود امثالك يرحنى



سجل اعجابي بما تكتبه اناملك ...

فلا يعنى ... انى قد لا اختلف معك فى بعض ماتكتبه مستقبل


ولكن يعجبنى ماتكتبه

تحياتى

متفائل :41: لانه لا يزال من ينطق بكلمة الحق :41: